البغدادي

133

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

على أنّ « أو » هنا بمعنى الواو ، وإنّما احتيج إلى جعل « أو » بمعنى الواو ، لأنّ سواء وسيّين يطلبان شيئين ، فلو جعلت أو لأحد الشّيئين لكان المعنى سيّان أحدهما . وهذا كلام مستحيل . قال أبو عليّ في « إيضاح الشّعر » « 1 » : والذي حسّن ذلك للشاعر أنّه يرى « جالس الحسن أو ابن سيرين » ، فيستقيم له أن يجالسهما جميعا . وكل الخبز أو التّمر ، فيجوز له أن يجمعهما في الأكل . فلمّا جرت مجرى الواو في هذه المواضع ، استجاز أن يستعملها بعد سيّ . ولم نعلم ذلك جاء في سواء « 2 » ، وقياسه قياس سيّان . انتهى . وبيّن ابن جنّي سرّه في « باب تدريج اللّغة من الخصائص » قال : وذلك أي تدريج اللّغة أن يشبه شيء شيئا من موضع ، فيمضي حكمه على حكم الأوّل ، ثم يرقّى منه إلى غيره . فمن ذلك قولهم : جالس الحسن أو ابن سيرين . فلو جالسهما جميعا لكان مصيبا مطيعا لا مخالفا ، وإن كانت « أو » إنّما هي في أصل وضعها لأحد الشيئين . وإنّما جاز ذلك في هذا الموضع لا لشيء رجع إلى نفس « أو » ، بل لقرينة انضمّت من جهة المعنى إلى « أو » . وذلك لأنّه قد عرف أنّه إنّما رغب في مجالسة الحسن ، لما لمجالسته في ذلك من الحظّ . وهذه الحال موجودة في مجالسة ابن سيرين أيضا ، فكأنّه قال : جالس هذا الضّرب من الناس . وعلى ذلك جرى النّهي في هذا الطّرز من القول في قوله تعالى « 3 » : « وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً » فكأنّه - واللّه أعلم - قال : لا تطع هذا الضّرب من الناس ، ثم إنّه لما رأى « أو » في هذا الموضع قد جرت مجرى الواو ، تدرّج من ذلك إلى غيره ، فأجراها مجرى الواو في موضع عار من هذه القرينة التي سوّغته استعمال « أو » في معنى الواو . ألا تراه كيف قال :

--> ( 1 ) النص بحرفيته في شرح أبيات المغني 2 / 31 . ( 2 ) في طبعة هارون 5 / 135 : " سواه " . وهو تصحيف واضح لا يستقيم معه السياق وقد صوبناه من شرح أبيات المغني للبغدادي . ( 3 ) سورة الإنسان : 76 / 24 .